الشيخ السبحاني
39
مفاهيم القرآن
المكي لا سيما وانّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يجادل المشركين ويسفِّه أحلامهم ويدعوهم إلى الإيمان باللَّه وحده وترك عبادة غيره ، والإيمان باليوم الآخر . ففي خِضمِّ هذا الصراع يأتي القرآن بأروع مثل ويشبّه آلهتهم المزعومة التي تمسّكوا بأهدابها ببيت العنكبوت الذي لا يظهر أدنى مقاومة أمام النسيم الهادئ ، وقطرات المطر ، وهبوب الرياح . يقول سبحانه : « مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَولياء كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتّخَذَتْ بَيتاً وإِنَّ أَوهَنَ الْبُيُوتِ لَبيتُ العَنْكَبُوتِ لو كانُوا يَعْلَمون » . « 1 » فقد شبه آلهتهم التي اتخذوها حصوناً منيعة لأنفسهم بخيوط العنكبوت ، وبذلك صغّرهم وذلّلهم . كما أنّه سبحانه في آية أُخرى شبّه آلهتهم بالذباب ، وقال : « يا أَيُّهَا النّاس ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا له إِنَّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً ولَوِ اجْتَمَعوا لَهُ وان يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوب » . « 2 » فقد كانت قريش تعبد 360 إلهاً يطلونهم بالزعفران فيجف ، فيأتي الذباب فيختلسه فلا يقدرون عن الدفاع عن أنفسهم ، ففي هذا الصدد ، قال سبحانه : « ضعف الطالب والمطلوب » أيالذباب والمدعوّ . فأي مثل أقرع من تشبيه آلهتهم بهذه الحشرة الحقيرة . ولقد مضى على الناس منذ ضرب لهم كتاب الإسلام هذا المثل أربعة عشر قرناً ، وما يزال المثل القرآني يتحدَّى كل جبروت الغزاة وعبقرية العلماء ، وما يزال على الذين غرّهم الغرور بما حقّق إنسان العصر الحديث من معجزات العلم ، أن ينسخوا ذلك ، بأن يجتمعوا
--> ( 1 ) العنكبوت : 41 . ( 2 ) الحج : 73 .